توفيق أبو علم

149

السيدة نفيسة رضي الله عنها

محمد وعبد الرحمان ، وعبد الرحمان البويطي ، والربيعان المرادي والجيزي ، وحرملة من أصحاب إلامام الشافعي رضياللَّه عنهم ، وكثيرون غيرهم « 1 » ، استفادوا ممّا أفاضه اللَّه عليها من فيوضات ممّا سيأتي بيانه بعد قليل ، وما روته من أحاديث وآثار وفقه وعلم ومعارف نبوية ، فإنها رضياللَّه عنها من أهل البيت ، اتّقوا اللَّه فعلّمهم اللَّه ، وأنار قلوبهم بنور عرفانه ، فكانوا من حملة العلم وحضنته ، ومن ذوي الفقه والدين والمعرفة واليقين . وكانت السيدة الورعة زاهدةً في دنياها ، تؤمن بمنهج الزهد وتمارسه ، وكان رائدها في طريق الزهد جدّها الأعظم رسول اللَّه صلى الله عليه وآله الذي أحاطت بسيرته ، وكان مرشدها هو ما قال الرسول وما فعل ، وقد مالت بطبعها منذ صغرها إلى حياة بعيدة عن زخرف الحياة وزينتها ، بالرغم من أنّ أباها كان أميراً للمدينة ، وكان بلا شكّ يعيش عيشةً رغدةً ، ولكنّها ما كانت تستشرف إلى لذائذ الدنيا وشهواتها . وفي بيت أبيها نشأت - بالرغم ممّا يُحاط بها من مظاهر الترف - نشأة الزهادة والتقشّف ، فمثلًا كانت قليلة الأكل ، ويُروى أنّها كانت تأكل كلّ ثلاثة أيام مرّة « 2 » . وكانت لها سلّة معلّقة أمام مصلّاها ، فكانت كلّما اشتهت شيئاً وجدته في السلة . وتقول زينب بنت يحيى : كنت أجد عندها ما لا يخطر بخاطري ، ولا أعلم من يأتي به ، فعجبت من ذلك ، فقالت : يا زينب ، من استقام مع اللَّه تعالى كان الكون بيده وفي استطاعته « 3 » . وكانت تمضي أكثر وقتها في معبدها أوحرم جدّها المصطفى صلى الله عليه وآله ، على أنّه يقال : إنّها رضي اللَّه عنها لم تكن سلبية في زهدها ، تقاطع الحياة مقاطعةً تامةً كما يفعل الزهّاد ، وإنّما كان هجرها للدنيا واقعاً على كلّ ما يعوقها عن اللَّه وطاعته ومرضاته ، ويعوقها عن العمل لآخرتها والتزوّد لها .

--> ( 1 ) كالإمام أحمد بن حنبل ، وسفيان الثوري ، ورابعة العدوية . انظر تحفة الأحباب وبغية الطلّاب للسخاوي : ص 107 ، ومجموعة آل بيت النبي في مصر : ص 85 . وسنأتي على ترجمة مختصرة للأعلام الذين أوردهم المؤلف في ثنايا صفحات الكتاب القادمة . ( 2 ) راجع خطط المقريزي : ج 4 ص 325 . ( 3 ) المصدر السابق .